الغزالي
163
إحياء علوم الدين
من التواضع ، وفي العنف والإعراض نوع من الزجر . والمستفتى فيه القلب . فما يراه أميل إلى هواه ومقتضى طبعه ، فالأولى ضده . إذ قد يكون استخفافه وعنفه عن كبر وعجب والتذاذ بإظهار العلو والإدلال بالصلاح . وقد يكون رفقه عن مداهنة واستمالة قلب ، للوصول به إلى غرض ، أو لخوف من تأثير وحشته ونفرته في جاه أو مال ، بظن قريب أو بعيد . وكل ذلك مردد على إشارات الشيطان ، وبعيد عن أعمال أهل الآخرة . فكل راغب في أعمال الدين ، مجتهد مع نفسه في التفتيش عن هذه الدقائق ، ومراقبة هذه الأحوال والقلب هو المفتي فيه . وقد يصيب الحق في اجتهاده وقد يخطئ ، وقد يقدم على اتباع هواه وهو عالم به ، وقد يقدم وهو بحكم الغرور ظان أنه عامل لله ، وسالك طريق الآخرة وسيأتي بيان هذه الدقائق في كتاب الغرور من ربع المهلكات . ويدل على تخفيف الأمر في الفسق القاصر ، الذي هو بين العبد وبين الله ، ما روى [ 1 ] أن شارب خمر ضرب بين يدي رسول الله صلَّى الله عليه وسلم مرات ، وهو يعود . فقال واحد من الصحابة ، لعنه الله ما أكثر ما يشرب ! فقال صلَّى الله عليه وسلم « لا تكن عونا للشّيطان على أخيك » أو لفظا هذا معناه . وكان هذا إشارة إلى أن الرفق أولى من العنف والتغليظ بيان الصفات ( المشروطة فيمن تختار صحبته ) اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » ولا بد أن يتميز بخصال وصفات يرغب بسببها في صحبته . وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة ، إذ معنى الشرط ما لا بد منه للوصول إلى المقصود ، فبالإضافة إلى المقصود تظهر الشروط ، ويطلب من الصحاح فوائد دينية ودنيوية . أما الدنيوية ، فكالانتفاع بالمال أو الجاه ، أو مجرد الاستئناس بالمشاهدة